محمد جمال الدين القاسمي
445
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وسمي السحاب سماء ، لأن العرب تسمي كل ما علا سماء . فَأَخْرَجْنا بِهِ التفت إلى التكلم إظهارا لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله أي : فأخرجنا بعظمتنا بذلك الماء ، مع وحدته نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ أي : صنف من أصناف النبات والثمار المختلفة الطعوم والألوان ، كقوله تعالى : يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [ الرعد : 4 ] . فَأَخْرَجْنا مِنْهُ أي : من النبات ، يعني أصوله خَضِراً أي : شيئا غضّا أخصر . يقال : أخضر وخضر ، كأعور وعور ، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة ، نُخْرِجُ مِنْهُ صفة ل ( خضرا ) وصيغة المضارع ، لاستحضار الصورة ، لما فيها من الغرابة ، أي : نخرج من ذلك الخضر حَبًّا مُتَراكِباً أي : متراكما بعضه على بعض ، مثل سنابل البر والشعير والأرز . قال الرازي : ويحصل فوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كأنها الإبر ، والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة . ثم بين تعالى ما ينشأ عن النوى من الشجر ، إثر بيان ما ينشأ عن الحب من النبات بقوله سبحانه : وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ الطلع : أول ما يبدو من ثمر النخيل كالكيزان يكون فيه العذق ، فإذا شق عنه كيزانه سمي عذقا ( بكسر العين وسكون الذال المعجمة بعدها ) - وهو القنو ، أي : العرجون ، بما فيه من الشماريخ ، وجمعه قنوان - ( مثلث القاف ) وهو ومثناه سواء ، لا يفرق بينهما إلا الإعراب . قال الزمخشري : قنوان ، رفع الابتداء ، و ( من النخل ) خبره ، و ( من طلعها ) بدل منه ، كأنه قيل : وحاصلة من طلع النخل قنوان ، انتهى . وجوّز أن يكون ( من النخل ) عطفا على ( منه ) وما بعده مبتدأ وخبر . أي : وأخرجنا من النخل نخلا من طلعها قنوان دانية ، أي : ملتفة ، يقرب بعضها من بعض ، أو قريبة من المتناول ، وإنما اقتصر على ذكرها لدلاتها على مقابلها ، أعني البعيدة ، كقوله تعالى : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ولزيادة النعمة فيها وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ عطف على ( نبات كل شيء ) أي : وأخرجنا به جنات ، أو على ( خضرا ) . وقال الطيبيّ : الأظهر أن يكون عطفا على ( حبّا ) لأن قوله : ( نبات كل شيء ) مفصل لاشتماله على كل صنف من أصناف النامي ، كأنه قال : فأخرجنا بالنامي نبات كل شيء ينبت كل صنف من أصناف النامي . والنامي : الحب والنوى وشبههما .